المبدأ التشخيصي: تعثر التنفيذ خلل في تصميم المنظومة لا في انضباط الأفراد
تتعامل جهات كثيرة مع تعثر التنفيذ باعتباره مشكلة سلوكية. ويقوم هذا التصور على أن الموظفين يفتقرون إلى الانضباط أو التركيز أو الالتزام، وأن الحل يكمن في قيادة أكثر حزما، أو تواصل أوضح، أو متابعة أشد للأداء.
هذا التشخيص مريح لأنه ينقل المشكلة إلى الأفراد، ويترك تصميم منظومة العمل نفسها دون مراجعة.
لكن عندما تتكرر الاستراتيجيات التي تبقى على الورق ولا تتحول إلى نتائج، فمن الصعب اعتبار ذلك خللا عشوائيا. التكرار هنا يشير غالبا إلى مشكلة هيكلية في الطريقة التي تعرف بها الأعمال، وترتب الأولويات، وتوزع المسؤوليات، وتحكم آليات التنفيذ.
ولهذا تتكرر أنماط التعثر بصورة متشابهة: مبادرات بلا مالك واضح، وأولويات متنافسة، وقرارات تتأخر بين المستويات الإدارية، ومسؤوليات غير محددة، ومتابعة تركز على النشاط أكثر من النتيجة.
السؤال الأهم أمام صناع القرار ليس: "لماذا لا ينفذ الموظفون؟"
السؤال الأكثر فائدة هو: "ما العيوب في تصميم منظومة العمل التي تجعل التنفيذ صعبا أو غير قابل للاستمرار؟"
هذا التحول في التشخيص يغير طريقة المعالجة بالكامل. فبدلا من إطلاق مبادرات جديدة كلما تعثر التنفيذ، يصبح التركيز على إصلاح المنظومة التي يفترض أن تحول الاستراتيجية إلى نتائج.
قبل تشخيص التنفيذ: هل الخلل في الاستراتيجية أم في تنفيذها؟
قبل أن تشخص الجهة مشكلة في التنفيذ، يجب أولا أن تميز بين تعثر التنفيذ ووجود خطأ في الاستراتيجية نفسها.
فالاستراتيجية الجيدة التي صممت بصورة سليمة ثم تعثرت عند التطبيق تشير إلى مشكلة في التنفيذ. أما الاستراتيجية التي بنيت على افتراضات ضعيفة أو أهداف غير واقعية، فلن تصبح صحيحة لمجرد أنها نفذت بكفاءة.
الخلط بين الحالتين يؤدي إلى استنزاف الموارد في معالجة المشكلة الخطأ.
فقد تستثمر الجهة في حملات تواصل، وبرامج تدريب، وإعادة تصميم الحوافز، بينما تكمن المشكلة الحقيقية في أن الاستراتيجية نفسها لا يمكن تحويلها إلى عمل قابل للتنفيذ ضمن الموارد المتاحة، أو الهيكل القائم، أو توزيع المسؤوليات الحالي.
ولهذا يتطلب التشخيص المنهجي طرح سؤال أكثر صعوبة:
هل كان الهدف قابلا للتحقيق فعلا من خلال المسار المحدد، أم أن الفجوة بين الطموح وتصميم التنفيذ كانت واسعة إلى درجة لا يمكن معها لأي جهد تنفيذي أن يعالجها؟
الإجابة عن هذا السؤال تحدد ما إذا كانت الأولوية هي إصلاح التنفيذ، أم إعادة النظر في تصميم الاستراتيجية نفسها.
كيف تخفي التقارير والاجتماعات الخلل الحقيقي في التنفيذ؟
تظهر الأعراض السبعة لما تسميه منهجية IDM "مرض الاستراتيجية" غالبا في أنماط متكررة يسهل ملاحظتها، لكن يصعب تشخيصها بصورة صحيحة.
فقد يظهر غياب الأولويات الواضحة في صورة عدد كبير من المبادرات العاجلة. وقد تقيس مؤشرات التقدم حجم النشاط بدلا من النتائج المحققة. وقد تنجح الإدارات في تحقيق أهدافها الفردية بينما يتراجع أداء المنظومة ككل. كما قد تتعامل القيادات مع وجود خطة موثقة وكأنه دليل على أن التنفيذ يسير فعليا كما هو مخطط.
وتزداد المشكلة لأن لكل عرض ما يخفي حقيقته.
فتقارير الإنجاز قد تثبت حجم الجهد دون أن تثبت تحقيق الأثر. والاجتماعات المتكررة قد تعطي انطباعا بالحركة بينما تحل المناقشة محل القرار. ولوحات المؤشرات قد تركز على ما يسهل قياسه بدلا من المؤشرات التي تكشف فعلا ما إذا كانت الاستراتيجية تتقدم نحو نتائجها.
ومع استمرار هذا النمط، تصبح تكلفة التشخيص الخاطئ تراكمية.
فكل تدخل موجه إلى المشكلة الخطأ يستهلك وقتا وموارد، ويضعف الثقة في المبادرات الجديدة. وكل مشروع يتعثر يجعل تنفيذ المشروع التالي أكثر صعوبة، ليس بالضرورة لأن الاستراتيجية التالية أضعف، وإنما لأن الثقة في قدرة الجهة على تحويل الخطط إلى نتائج تكون قد تراجعت.
لهذا لا يبدأ تحسين التنفيذ بإضافة مزيد من المتابعة أو الاجتماعات أو المبادرات، وإنما بتشخيص الخلل الحقيقي الذي يجعل التعثر يتكرر.
كيف تعرف أن المشكلة في تصميم التنفيذ؟
يعتمد التشخيص الجيد للتنفيذ على فحص العلاقة بين خمسة عناصر أساسية: وضوح الاتجاه، والالتزام بهدف مشترك، والقدرة على تحويل التوجه إلى عمل، والانضباط في قياس ما يهم، والقدرة على التعلم من النتائج والتغذية الراجعة.
ولا يكفي أن تعلن الجهة امتلاك هذه العناصر، بل يجب التأكد من أنها مدمجة فعليا في طريقة العمل.
فإذا كانت الجهة تتحدث عن وضوح الاتجاه، بينما لا توجد أولويات محددة لكل مستوى، فالمشكلة في تصميم العمل وليست في التواصل فقط.
وإذا أعلنت الالتزام بأهداف واضحة، لكنها لا تلزم الفرق بالمفاضلة بين الأولويات عند تعارضها، فالمشكلة تتعلق بالمساءلة واتخاذ القرار أكثر من ارتباطها بالدافعية.
ويبدأ الاختبار الحقيقي للتنفيذ من سؤال بسيط: هل يستطيع كل شخص ضمن سلسلة التنفيذ أن يوضح كيف يرتبط عمله بالنتيجة الاستراتيجية المطلوبة؟
ثم يأتي الاختبار الثاني: هل تراجع الجهة بصورة منتظمة الفجوة بين ما خططت لتحقيقه وما تحقق فعليا؟
الهدف من هذه المراجعة ليس البحث عن مسؤول عن التعثر، وإنما اكتشاف الانحراف مبكرا وتصحيح مسار التنفيذ قبل أن تتحول الفجوة إلى نتيجة يصعب تداركها.
دور صانع القرار في بناء منظومة تنفيذ فعالة
يتخذ القادة الذين ينظرون إلى التنفيذ باعتباره مسألة تصميم قرارات مختلفة جذريا عن أولئك الذين يتعاملون معه كمسألة انضباط فقط.
فهم يستثمرون أولا في وضوح الاتجاه، ويقللون عدد الأولويات بدلا من زيادتها، ويصممون آليات حوكمة تكشف العوائق كما هي بدلا من مكافأة التقارير المتفائلة.
النتيجة العملية هي أن تنفيذ الاستراتيجية يتحول من نشاط موسمي يرتبط بدورة التخطيط السنوية إلى قدرة إدارية تتم متابعتها بصورة مستمرة.
ويصبح التنفيذ عندها أقرب إلى إدارة الأداء المالي: مراجعات دورية، ومسؤوليات واضحة، ومتابعة للفجوات، وتعديلات تستند إلى الأدلة والنتائج الفعلية.
وعندما يصل التنفيذ إلى هذا المستوى من الانضباط الإداري، لا تعود الاستراتيجية مجرد خطة معتمدة، بل منظومة عمل يمكن قياس تقدمها وتصحيح مسارها باستمرار.
من التشخيص إلى المعالجة: منهج علم التنفيذ
يتطلب التمييز بين الخلل الهيكلي والمشكلة السلوكية إطارا واضحا للتشخيص، وليس مجرد انطباعات عن مستوى الالتزام أو جودة الأداء.
ويقدم كتاب IDM "علم التنفيذ" The Science of Execution هذا الإطار من خلال منهجية بنيت على ثماني سنوات من البحث والتطبيق الميداني عبر قطاعات متعددة.
تتناول المنهجية الأعراض السبعة لمرض الاستراتيجية، والقيم الخمس للتنفيذ، وكيف يمكن دمج الذكاء الاصطناعي في متابعة التنفيذ وتحسينه. وتهدف إلى مساعدة صناع القرار على الانتقال من الحلول التي تركز على التحفيز والضغط على الأفراد إلى تشخيص أكثر منهجية للأسباب التي تجعل التنفيذ يتعثر.
ويقدم الكتاب إطارا عمليا يمكن الرجوع إليه لفهم أين تبدأ فجوة التنفيذ، وكيف تظهر داخل منظومة العمل، وما الذي يحتاج إلى إعادة تصميم قبل مطالبة الفرق ببذل مزيد من الجهد.
فالتنفيذ الفعال يبدأ عندما تتوقف الجهة عن سؤال: لماذا لا يبذل الأفراد جهدا أكبر؟
وتبدأ بدلا من ذلك بالسؤال الأكثر أهمية: ما الذي يجب تغييره في تصميم منظومة العمل حتى تتحول جهودهم إلى نتائج؟
هذه المقالة جزء من: كتاب علم التنفيذ | IDM
صفحة الخدمة