الاحتفاظ بالبيانات لا يعني امتلاك قيمتها
تحتفظ كثير من الجامعات والمراكز البحثية بكميات كبيرة من البيانات ذات القيمة، مثل نتائج التجارب السريرية، والدراسات الطولية، وبيانات المستشعرات، والمعرفة المتراكمة داخل الجهة، لكنها لا تتعامل معها دائما باعتبارها أصلا استراتيجيا يجب حوكمته والاستفادة منه.
تخزن البيانات، وتديرها، وقد تحللها عند الحاجة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجود ملكية فعلية من حيث التحكم، والتوثيق، وإعادة الاستخدام، والقدرة على استخراج قيمة مستمرة منها.
والفرق بين الاحتفاظ بالبيانات وامتلاكها ليس لغويا.
هو فرق يحدد ما إذا كانت الجهة قادرة على تحويل مخرجاتها البحثية إلى ميزة تنافسية، ودعم الامتثال، وبناء قيمة طويلة المدى، أم ستبقى مجرد جهة تحتفظ بالمعلومات دون استثمار منظم لها.
فالملكية الحقيقية للبيانات تبدأ عندما تعرف الجهة ما لديها، ومن يملك صلاحية استخدامها، وكيف تم إنتاجها، وما جودتها، وكيف يمكن إعادة استخدامها بثقة، وما القيمة التي يمكن أن تنتج عنها لاحقا.
لماذا تتحول حيازة البيانات دون حوكمة إلى عبء استراتيجي؟
لم تعد البيانات البحثية مجرد ناتج جانبي للعمل الأكاديمي، بل أصبحت أحد الأصول التي يمكن أن تصنع قيمة حقيقية للجهة.
فجهات التمويل تطلب خططا واضحة لإدارة البيانات، والشركاء من القطاع الخاص يبحثون عن بيانات موثقة المصدر وحقوق استخدامها واضحة، كما تتطلب الأطر التنظيمية القدرة على إثبات كيفية حوكمة المعلومات الحساسة.
وعندما تكتفي الجهة بالاحتفاظ بالبيانات دون إدارة ملكيتها واستخدامها بصورة واضحة، فإنها تتحمل مخاطر تتراكم مع الوقت.
قد تفقد السيطرة على كيفية استخدام المعرفة التي انتجتها أو مشاركتها أو تحقيق قيمة منها.
وقد تواجه صعوبة في إثبات مصدر البيانات ومسارها والمسؤولية عنها عند المراجعة أو التدقيق.
كما قد تفقد فرصا استراتيجية كلما اتسعت الفجوة بينها وبين الجهات التي تتعامل مع البيانات كأصل قابل لإعادة الاستخدام والاستثمار، لا كمجرد ملفات يجب تخزينها.
وغالبا لا تظهر تكلفة هذا النهج إلا عند لحظة حرجة: حادثة تسرب بيانات، أو تفاوض على شراكة، أو مراجعة تمويل، أو مغادرة باحث رئيسي ومعه جزء كبير من المعرفة غير الموثقة.
عندها يتضح أن المشكلة لم تكن في امتلاك البيانات، بل في عدم بناء الحوكمة التي تحفظ قيمتها داخل الجهة.
من يملك البيانات البحثية فعليا؟
تظهر مشكلة ملكية البيانات بصورة أوضح في البيئة الأكاديمية بسبب طبيعة العمل البحثي نفسه.
فالبيانات قد ينتجها باحث يدير دراسته بشكل مباشر، بينما يأتي التمويل من منحة مرتبطة بالجامعة، وتوفر الجهة الأكاديمية البنية التحتية والأنظمة والموارد التي مكنت البحث من التنفيذ.
ومن دون إطار حوكمة صريح، يبقى سؤال الملكية غير محسوم: هل تعود البيانات إلى الباحث؟ أم إلى الجهة الممولة؟ أم إلى الجامعة التي استضافت البحث ووفرت موارده؟
تاريخيا، تعاملت كثير من الجهات الأكاديمية مع هذه المسألة بمرونة كبيرة، وهو أمر مفهوم في بيئة تشجع المشاركة المفتوحة للمعرفة واستقلالية الباحث.
لكن هذا النهج أصبح أكثر صعوبة مع ارتفاع التوقعات المرتبطة بتحويل المعرفة إلى قيمة، وحماية الملكية الفكرية، وإثبات الأثر البحثي، وإدارة الشراكات والحقوق المرتبطة بالبيانات.
ولهذا أصبحت الحاجة أكبر إلى حوكمة واضحة تحدد منذ البداية من يملك البيانات، ومن يحق له استخدامها، وكيف يمكن مشاركتها، وما الذي يحدث لها بعد انتهاء المشروع أو مغادرة الباحث.
ما الذي تتطلبه الحوكمة الفعلية للبيانات البحثية؟
الانتقال من مجرد الاحتفاظ بالبيانات إلى امتلاكها وإدارتها فعليا يحتاج إلى أكثر من سياسة مكتوبة لإدارة البيانات.
فالحوكمة الجيدة تتطلب بنية واضحة تجمع بين التقنية والسياسات والمسؤوليات الإدارية، وتحدد من يملك القرار بشأن البيانات وكيف تحافظ الجهة على قيمتها مع الوقت.
هياكل ملكية واضحة
يجب أن تحدد الجهة بوضوح من يتحمل مسؤولية حفظ البيانات، ومن يملك صلاحية اتخاذ القرار بشأن استخدامها أو مشاركتها، وكيف تنتقل هذه المسؤوليات والصلاحيات عند تغير الموظفين أو الباحثين.
عمليات موحدة لجودة البيانات
الملكية لا تعني السيطرة فقط، بل تحمل مسؤولية الحفاظ على البيانات كأصل موثوق وقابل لإعادة الاستخدام.
وهذا يتطلب معايير ثابتة للبيانات الوصفية، وإجراءات للتحقق من الجودة، وآليات واضحة للحفظ طويل المدى.
آليات لتحقيق القيمة من البيانات
عندما تدير الجهة بياناتها باعتبارها أصلا، تستطيع تحديد أي مجموعات البيانات تحمل قيمة استراتيجية، سواء لإعادة استخدامها في أبحاث مستقبلية، أو بناء شراكات تجارية، أو إثبات الأثر المجتمعي أمام الجهات التنظيمية والتمويلية.
قابلية التدقيق والمساءلة
الحوكمة الفعالة تعني أن الجهة تستطيع تتبع مصدر البيانات ومسارها، وتفسير القرارات المتعلقة باستخدامها، وإثبات التزامها بالسياسات والمعايير ذات العلاقة.
وهنا يتحول مفهوم الملكية من مجرد حيازة تقنية للملفات إلى قدرة فعلية على التحكم، والتوثيق، وإعادة الاستخدام، واستخراج القيمة.
لماذا يجب أن تصل حوكمة البيانات البحثية إلى صناع القرار؟
الرسالة الاستراتيجية واضحة: حوكمة البيانات البحثية ليست مسألة تقنية تخص فرق تقنية المعلومات، وليست وظيفة أرشيفية تقتصر على المكتبات أو وحدات الحفظ.
هي قضية تحتاج إلى اهتمام على مستوى صناع القرار، لأنها تؤثر مباشرة في موقع الجهة، وقدرتها على الاستفادة من المعرفة التي تنتجها، ومستوى تعرضها للمخاطر.
ولذلك يحتاج صناع القرار إلى طرح ثلاثة أسئلة أساسية:
هل توجد آلية تحدد أي البيانات تحمل قيمة استراتيجية؟
من دون حصر واضح للبيانات وتصنيفها بحسب الجودة، والحساسية، وإمكانات الاستخدام المستقبلية، تبقى فكرة الملكية عامة وغير مرتبطة بقرارات فعلية.
هل تستطيع الجهة إثبات ممارسات الحوكمة أمام الأطراف الخارجية؟
تتوقع جهات التمويل، والشركاء، والمدققون بشكل متزايد وجود حوكمة يمكن إثباتها وتوثيقها، ومتوافقة مع معايير وممارسات معترف بها.
هل توجد صلة فعلية بين مبادئ الحوكمة والممارسة اليومية؟
تمتلك جهات كثيرة سياسات مكتوبة لإدارة البيانات، لكنها تبقى منفصلة عن طريقة التعامل مع البيانات فعليا في المشاريع والأنظمة والفرق.
الحوكمة الفعالة تربط بين المستوى الاستراتيجي والتطبيق اليومي، بحيث تتحول السياسات إلى مسؤوليات واضحة، وإجراءات قابلة للتنفيذ، وبيانات يمكن الوثوق بها والاستفادة منها مع الوقت.
من مبادئ الحوكمة إلى تطبيقها فعليا
الجهات الجادة في امتلاك بياناتها البحثية تحتاج إلى عنصرين معا: إطار واضح للحوكمة، وآلية تشغيلية تحول هذا الإطار إلى ممارسة يومية.
فالإطار وحده قد ينتج سياسات ووثائق جيدة، لكنه لا يغير طريقة إدارة البيانات ما لم يرتبط بأنظمة ومسؤوليات وإجراءات تنفيذية واضحة.
ويعالج كتاب IDM بعنوان Navigating Research Data Governance هذه الفجوة مباشرة، ويستهدف صناع القرار الذين يدركون وجود مشكلات عاجلة في بيئة البيانات البحثية لديهم.
لا يقدم الكتاب الحوكمة كمفهوم نظري أو هدف مستقبلي فقط، بل يرسم مسارا للانتقال من مجرد الاحتفاظ بالبيانات إلى امتلاكها وإدارتها كأصل استراتيجي. ويغطي واقع تشتت الملكية، والحاجة إلى الإصلاح، والآليات التي تجعل الحوكمة قابلة للتطبيق.
وبالنسبة للجهات التي انتقلت من مجرد إدراك قيمة بياناتها إلى الرغبة في بناء قدرة فعلية على إدارتها، يقدم الكتاب الأساس المفاهيمي لهذه الرحلة.
كما يوضح كيف يمكن دمج مبادئ الحوكمة داخل البنية التقنية والسحابية، بدلا من أن تبقى في شكل سياسات عامة منفصلة عن الممارسة.
وهذا الربط بين الحوكمة والتنفيذ هو ما يصنع الفرق بين جهة تحتفظ بالبيانات، وجهة تملك فعليا القدرة على التحكم فيها، وحمايتها، وإعادة استخدامها، وتحقيق قيمة مستمرة منها.
هذه المقالة جزء من: حوكمة بيانات البحث العلمي | IDM
صفحة الخدمة